يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
المدير العام
سيف محمود الشريف
رئيس التحرير المسؤول
محمد حسن التل
العدد رقم 14992 الثلاثاء 24 صفر 1431هـ الموافق 9 شباط 2010
فن وثقافة
Bookmark and Share
لم يصغ إلى يأس الضحية ولا غرور المحتل موسى حوامدة

 

 
كان محمود درويش ينتفض في وجه الذين ينعتونه بالشاعر الرمز ، أو شاعر القضية الفلسطينية ، لأنه كان يدرك أن هذا المعنى يحيله إلى بعد سياسي مباشر لا يرغب فيه ، وينقله إلى قصائده القديمة والأولى ، سجل انا عربي ، يحكون في بلادي يحكون في شجن ، عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن ، فالكرمل فينا وعلى أهدابنا عشب الجليل ، وحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل وإلخ.

لماذ كان ينفر من قصائده القديمة ، لأنه كان يسعى ببساطة إلى تطوير قصيدته بعيدا عن تصفيق الجماهير ، ولا يريد أن يظل واقفا عند حدود القصيدة البسيطة والمعبرة والمباشرة ، ولذا غامر وقرأ قصيدة طباق عن إدوارد سعيد في قصر الثقافة بعمان ، وكان يعرف انها ليست جماهيرية ، لكنه لم يكن يركن إلى تصفيق الجمهور الذي جاء يريد سماع ما يحفظ من أشعاره ، لأنه كان يجرب ولا يريد لشعره الجمود في قالب معين ، وأمام إطراء المحيطين والأصدقاء الذين كانوا يكيلون المديح لكل ما يكتب ، كان لا يطمئن لكل هذا التصفيق ، كما يقول عبدالباري عطوان عن قلقه قبل نشر قصائده وسؤاله عن ردة الفعل بعد النشر ، ولذلك كان يهرب من النمط الذي يصل إليه ويصبح معروفا لدى جمهوره إلى التجديد والتجريب ، وهو الذي قال للصحفي المصري سيد محمود في البحرين:( جمهوري يتغير معي ، إذ يلفت نظري الآن طريقة إصغائه لشعري ، أشعر أن غالبيته تجاوز طريقته القديمة وبات معنيا بشاعرية الشعر وليس بموضوعه)

وكان معجبا بشعراء قصيدة النثر ، على الأقل بعدد من بينهم ، وإن صرح مرة في تونس وهاجم قصيدة النثر فقد كان يعني استسهال الكتابة فيها وتشابه القصائد ، وظل يقترب من قصيدة النثر ، ورغم انه لم يكتبها لكنه كتب نصوصا مفتوحة قريبة منها في كتابيه أثر الفراشة وفي حضرة الغياب ، وإن بسط بعض القصائد واقترب من قصيدة النث ، لكنه حافظ على الوزن البسيط فيها ، حتى يمكن القول أنه صار أقرب إلى روح شعراء النثر ، وتجسد ذلك منذ لماذh تركت الحصان وحيدا ، والجدارية وكزهر اللوز أو ابعد ، وفي أثر الفراشة ، مؤخرا والذي أراده ان يكون نصا مفتوحا يختلط فيه الشعر بالنثر.

كان خوف درويش من الوصول إلى القصيدة الجاهزة ، القصيدة التقليدية المعروفة التي لا تفاجئ قارئه ، كان يخشى أن يتوقف عند هذا الحد ، ويعتبر ذلك هو الموت للشاعر ، لا موت الجسد ، ولذا كان دائم القلق ، دائم المتابعة والقراءة ، لا يركن إلى مديح ، لذلك هرب إلى الفلسفة وإلى بورخيس وصار يمشي وظله معه يحاوره ويرى دائما شبحا يطل من بعيد او شخصا ثالثا بينه وبين نفسه ، كان كل همه إلا يموت شعريا وكان غزير الانتاج لانه كان يخشى ان يتوقف قلبه في أي لحظة كما أن جسده كان نشيطا في صنع الكوليسترول كما ان عقله نشيط في الكتابة ، كما قال قبل رحيله.

معضلة ومصدر خوفه كان من أن التهليل والتطبيل لشعره كان يأتي من ماضيه السياسي والثوري والنضالي ربما يقول البعض ولم لا فهذه شعبية لم يحصل عليها شاعرفلسطيني سواه ، لكن محمود بحسه المرهف كان يعرف ان هذه الشعبية قاتلة ، وآنية وهو يطلب من جمهوره أن يرتقي معه للنصوص الجديدة والتجريبية ، وفي كثير من القصائد الجديدة كان الجمهور يخذله ويطالبه بقراءة خبز امي او سجل انا عربي ، أو احمد الزعتر ، لكنه لم يكن يستسلم لمزاج الجمهور ولا لمديح النقاد ، لانه كان يعى ان المعيار الجمالي أهم لديه من ردة فعل الجمهور التقليدي ، فكان وفيا للتجريب والمغامرة.

على الصعيد السياسي كان يرى ببصيرته البعيدة والثاقبة ، أن الوضع السياسي في العالم كله تغير ، فمنظمة التحرير تحولت إلى سلطة وطنية ، وفلسطين دخلت نفقا معتما بانهيار السلطة واقتتال فتح وحماس وزيادة المستوطنات وتكالب الإسرائيليين ، ورفضهم الرضوح لصوت المنطق والسلام والاعتراف بالحق الفلسطيني ، وكان يشعر بالأسى إذ كان يتوقع أن يتزحزح الاسرائيليون قليلا بعد أن دار حوار طويل معهم وبعد ان خاطبهم في الكثير من قصائده وخاطب الجندي والمثقف والكاتب فيهم ، لكن كل ذلك لم يكن مجديا فلم يتزحزح أعداؤنا عن موقفهم الرافض لكل كيان فلسطيني فأحس بالتعب واليأس ليس من خلال حالة حصار التي جلس فيها يربي الأمل ، لكنه اعلن في آخر قصيدة كتبها أنه سقط مع العدو في حفرة واحدة في خطاب فلسفي وسياسي في غاية الاهمية ، أكثر منه شعري بأننا أسرى الحفرة الواحدة وأسرى المكان وان الخطر واحد وأننا جاران في العداوة ولأنه ، كان يحس باستحالة الوصول إلى حل راهن ، ولذا طلب من شاعر آخر لم يحدده جنسيته أن يواصل كتابة القصيدة.

على الصعيد السياسي تغير كل شئ وعلى الصعيد الثقافي والفني صارالناس يهربون للرواية وقل عدد القراء وهم يفضلون السرد على الشعر ، وعلى الصعيد الإبداعي كثرت وتعددت تجارب الشعر والشعراء عربيا وفلسطينا ولم يكن قادرا على البقاء بعيدا عن إظهار التحولات في قصيدته ، ولكن دون الانبهار التام بها.

لقد عرف ببصيرته الثاقبة أن الإصرار على الشعارات القديمة ، ليس صحيحا فكيف نفسه مع المتغيرات ، وقبل الذهاب إلى حيفا ، وعبر عن آلام شعبه وآلامه ، لكنه في المدة الاخيرة كان يريد الفصل بين الرمز الوطني والشاعر ، كان يريد ان يكرس نفسه كشاعر جمالي عالمي وليس فقط شاعر قضية ، وربما نجح في كتابة بعض القصائد في هذا المجال ولكن الجمهور لم يكن مستعدا لمثل هذا التحول ، وكان هذا مصدر تعبه ، وخشيته من تحنيطه كرمز وطني ونضالي وليس كشاعر كوني.

كان نبيها ذكيا لا يريد أن يستقر لا في مكان جغرافي محدد ، ولا في نمط شعري معروف ، وكان يرى المنفى منفيين ، منفي خارجي ومنفى داخلي ، وقد عاش كليهما ، بل عاش المنفى الثالث وهو الخروج من الجسد والسفر إلى برية الروح ، ومغادرة الواقع والتحليق من الشرفات والنوافذ وحتى السماء ، لكي لا يصغي إلى يأس الضحية ، ولا غرور الجلاد والمحتل.

ہ شاعر من اسرة الدستور

Musa.hawamdeh@gmail.com

Date : 15-08-2008


أضف تعليق     طباعة الخبر ارسال للصديق
 
 

الاسم:  
عنوان التعليق :  
التعليق :  
 
 

الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010
© Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team